ست العجم بنت النفيس البغدادية
53
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
به في حق الكاملين لأنهم مختصون باختيار اللّه لهم في قوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] ، فمن حيث تحقق الحمد على كل موجود ابتدأ به معلنا مع عدم الافتقار لإظهار الطاعة فقط وهذا من باب التنازل ، فإنه من حيث فنائه في ذات المحمود ، لم يعد عليه هذا الوجوب حقيقة وإنما يجب عليه من حيث التقييد الظاهر ، فأراد رحمه اللّه أن يظهر حقيقة هذا الواجب مماثلة للعباد مع تفرده بعدمها في حال الفناء ، وقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ * بالإضافة يريد به إظهار حقيقة المماثلة وإظهار حكم الرب على مجموع العالم ، فإن الرب يشتمل حكمه على جميع الموجودات ، وإن لم يكن لها حقيقة في الحقيقة ، لكن الابتداء بالحمد واجب التكميل باسم الرب المضاف إلى العالم ، وذلك إنه لما كان هذا العارف في حال هذا الحمد متصفا بمجموع الوجود عليه قد صدق عليه العالم أراد إظهار حقيقته على ظاهره بثنائه على ربه ، فأظهرها بذكره لاسم الرب المضاف إلى العالمين ، فكأنه قال : الحمد للّه ربي ، أو قال : الحمد للّه رب العالم الذي قد اتصفت به ، وتأييد اتصافه بالعالم وقيامه بحقيقة حكم الرب قول الإمام العارف الكامل أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه حين عطس واحد في مجلسه ، وقال : الحمد للّه ، فأشار الإمام إليه بأن يقول : رب العالمين ، فقال العاطس : ومن العالمون مع اللّه ؟ فقال الإمام : الآن لابد من ذلك ، فإن المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له عين ولا أثر ، وإنما أمره به لا يقارنه الحمد على نفسه ، وذلك لأن الحمد يقال على محمود متصف بأوصاف تليق به كالرب وثناء العباد عليه ، فإن ثنائه واجب على كل متميز عنه ظاهرا ، فإذا حصل التمييز بالحمد للرب وجب اقترانه بالعالمين للدخول تحت لفظه العموم . ( ص ) [ قوله : ( حمد آنية لا حمد هوية هذا حمد منزه عن النماء معتليا عن الصفات والأسماء مادة لألفاظها ومعانيها ) ] . ( ش ) أقول : مراده به خصوص نفسه بالحمد مع اتصافه بمجموع الوجود ، فإن الآنية لفظ مختص بالناطق به بشرط الكمال في مرتبته بخلاف الأنانية ، لأن الأنانية ، لفظ يصطحب تعظيما عاريا عن المماثلة في الرتبة ، والآنية ، تنشأ عن ذلك التعظيم عندما يصير وصفا للناطق به . فقوله : ( حمد آنية لا حمد هوية ) أي : حمد مختص بالاتصاف في حال التفرد بالكمال الثابت الذي لا يدخل عليه الفناء ، وقوله : ( لا حمد هوية ) يريد بهذا النفي إثبات حامد ومحمود ، فإن الهوية يستهلك حقيقتي الحامد والمحمود وتبقي واحدا متفردا بريا عن